محمد راغب الطباخ الحلبي
438
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
فحلفت له إني لم أفعلها إلا هذه المرة ، فتركني حينئذ ، فلما سكن روعي قبلت يده وقلت له : بحياتك من أين علمت أني أقرأ بالمصحف ؟ فقال : سمعت صوتك يأتي من سقف المحل فعلمت أن في يدك شيئا يمنع مجيء الصوت مواجهة . ومرة أخرى كنت أذهب معه إلى دور بعض أحبابه ، وكان في الطريق بالوعة إذا وصلنا إليها أخبره بها ، فيتخطاها ، فبعد مدة سترت تلك البالوعة بالطوابق ، فلما مررت به من ذلك الطريق بعد مدة وصل إلى موضعها وتوقف ثم تخطى ، قلت له : لم تخطيت ؟ قال : أليس هنا بالوعة ؟ قلت : بلى ، كانت ولكنها من مدة زالت . قلت : ومثل ذلك ما حكي عن أبي العلاء المعري أنه كان سافر مع رفيق له إلى جهة ، فمرا في طريقهما بشجرة ، فلما قربا منها قال له رفيقه : إياك والشجرة أمامك ، فانحنى حتى تجاوزها ، فلما رجعا من ذلك الطريق أيضا انحنى أبو العلاء لما قرب من مكان الشجرة ورفيقه ينظر إليه . ويحكى عن حذق أبي العلاء المذكور أنه أنشده المنازي أبياتا بالشام ، فقال له : أنت أشعر من بالشام ، ثم اتفق اجتماعهما بالعراق بعد سبع سنين فأنشده المنازي أبياتا أخر ، فقال له : ومن بالعراق . ومثله ما حكي عن داود الحكيم الأنطاكي صاحب « التذكرة » وغيرها أن رجلا دخل عليه وقال له : أي شيء يقوم مقام اللحم ؟ فقال : البيض ، فغاب عنه سنة وجاءه فرآه منهمكا في تركيب معجون وهو يجمع أجزاءه ، فقال له : بأي شيء يقلى ؟ فقال : بالسمن . وحكايات حذقه كثيرة ذكرها من ترجمه . ثم إنه أعني صاحب الترجمة في آخر عمره ترك الإقراء وخرج من ذلك المسجد واشترى له دارا بالقرب من محلة الجلّوم الكبرى . وكانت وفاته بحلب في سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ، ودفن بمقبرة العبارة خارج باب الفرج ، ولم يعقب غير بنت ، وخلف مالا كثيرا رحمه اللّه تعالى . ا ه . 1038 - طه بن مصطفى الشهير بطه زاده المتوفى سنة 1137 طه بن مصطفى الحلبي الحنفي الشهير بابن طه . ترجمه الكمال الغزي في كتابه المسمى « بالورد الأنسي في ترجمة العارف باللّه النابلسي » « 1 » فقال :
--> ( 1 ) اطلعت على هذا الكتاب في رحلتي إلى دمشق سنة 1340 عند بعض أحفاد الشيخ عبد الغني النابلسي القاطنين في صالحية دمشق .